أحمد بن محمد مسكويه الرازي
224
تجارب الأمم
فتوجّهت الرسل نحو الأفشين فلم يلحقه أحد منهم : لأنّه كان وغل في بلاد الروم وتوافت آلات المعتصم وأثقاله مع صاحب الساقة . فكتب إلى أشناس يأمره بالتقدّم فتقدّم والمعتصم وراءه بينهما مرحلة ينزل هذا ويرحل هذا ولم يرد عليه خبر من الأفشين حتّى صاروا بأنقرة على ثلاث مراحل ، وضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من [ 252 ] الماء والعلف . أشناس والشيخ وكان أشناس قد أسر عدّة أسرا في طريقه فأمر بهم فضربت أعناقهم حتّى بقي منهم شيخ كبير فقال الشيخ : - « ما تنتفع بقتلى وأنت في عسكرك في هذا الضيق من الماء والزاد والعلف وأنا أدلَّك على قوم بالقرب ، قد هربوا من أنقرة خوفا من أن ينزل بهم ملك العرب ومعهم من الميرة والطعام شيء كثير . » فوعده أشناس أن يطلقه إن فعل ذلك . فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة فأوردهم على واد وحشيش كثير ، فأمر الناس دوابّهم حتّى شبعت وتعشّى الناس وشربوا حتّى رووا . ثمّ سار بهم حتّى أخرجهم من الغيضة [ 1 ] بقية ليلتهم يدور بهم في جبل ولا يخرجهم منه . فقال الأدلَّاء : - « هذا الرجل يدور بنا . » فسأله عمّا قال الأدلَّاء . فقال الشيخ : - « صدقوا ولكنّ القوم الذين نريدهم خارج الجبل ، وأخاف أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوت حوافر الخيل على الصخر فيهربوا ، فإذا خرجنا
--> [ 1 ] . في مط : الغبطة .